فكر وفن

مبدعون في الذاكرة (51) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية سلامات مرشد الزبيدي شاعرٌ حمل وجع العراق بين القصيدة والنقد ومشى وحيداً في دروب المعرفة ياس خضير البياتي

 

ياس خضير البياتي

في كركوك، المدينة التي كانت تشبه عراقاً صغيراً بتنوعها الإنساني والثقافي، وُلد مرشد حمد ناصر الزبيدي عام 1954، في زمنٍ كانت فيه المدن العراقية ما تزال تحتفظ بملامحها الأولى؛ مقاهٍ مزدحمة بالقرّاء، وأصوات باعة تتداخل مع أغنيات الراديو، وأحياء تعرف بعضها بعضاً كعائلة كبيرة تتقاسم الخبز والحكايات.

هناك، بين رائحة النفط وصمت الحقول ودفاتر المدارس القديمة، تشكلت ملامح الطفل الذي سيكبر لاحقاً شاعراً يرى العالم بعين القلق والأسئلة.

كانت كركوك بالنسبة إليه أكثر من مدينة؛ كانت مدرسة مبكرة لفهم الإنسان. ففيها عرف معنى التعدد الثقافي، واكتشف أن الهوية ليست قالباً مغلقاً، بل نهرٌ تتلاقى فيه اللغات واللهجات والذاكرات.

لذلك حمل في داخله حساسية خاصة تجاه الإنسان البسيط، والمكان المهمّش، والوجع العراقي الذي ظل يتكرر بأشكال مختلفة عبر العقود.

وربما لهذا السبب جاءت قصيدته لاحقاً مشبعة بذلك الحنين الثقيل، وكأنها محاولة دائمة للقبض على وطن يتسرّب من بين الأصابع.

منذ سنواته الأولى، بدا مأخوذاً بالكلمة. لم يكن الشعر عنده ترفاً لغوياً أو لعبة جمالية، بل طريقة لفهم الحياة والنجاة منها.

كان يصغي إلى القصائد كما يصغي الناس إلى الموسيقى، ويقرأ الأدب العربي القديم بشغف الباحث عن جذوره الروحية.

وحين انتقل إلى بغداد ليدرس الأدب العربي في جامعة بغداد، وجد نفسه أمام مدينة أخرى تشبه كتاباً مفتوحاً على الفكر والسياسة والثقافة والأسئلة الكبرى.

في بغداد السبعينيات، كانت الثقافة العراقية تعيش واحدة من أكثر مراحلها غنى واحتداماً؛ المقاهي الأدبية تضج بالنقاشات، والصحف تفتح صفحاتها للأصوات الجديدة، والقصيدة العراقية تبحث عن لغتها الحديثة وسط تحولات المجتمع والسياسة.

هناك تفتحت تجربته الشعرية والنقدية، فتخرج في كلية الآداب عام 1974، لكنه لم يغادر الجامعة حقاً، لأن المعرفة تحولت عنده إلى مشروع حياة.

واصل دراساته العليا فنال الماجستير في النقد الأدبي عام 1989، ثم الدكتوراه في الأدب العربي عام 1994، ليجمع بين موهبة الشاعر وأدوات الباحث الأكاديمي.

كان الزبيدي ينتمي إلى ذلك الجيل العراقي الذي لم يفصل بين الثقافة والواقع. لذلك لم تكن قصيدته معزولة عن التحولات الكبرى التي عاشها العراق والعالم العربي، بل جاءت محمّلة بأسئلة الحرب والهوية والانكسار الإنساني.

عمل في الصحافة الثقافية، ثم في وزارة الثقافة والإعلام، فكان قريباً من الحركة الأدبية العراقية، شاهداً على ازدهارها حيناً، وعلى جراحها حيناً آخر.

بدأ ينشر قصائده في الصحف والمجلات العراقية والعربية مثل ألف باء والثورة والجمهورية والطليعة الأدبية والأقلام والآداب. وكانت تلك المجلات آنذاك تمثل منصات ثقافية كبرى يتابعها القراء والمثقفون في العالم العربي، الأمر الذي منح صوته الشعري حضوراً واضحاً بين أبناء جيله.

وقد تميزت قصائده بلغتها التي تمزج بين الرؤية الفكرية والإحساس الوجداني، حيث تبدو الصورة الشعرية عنده مشبعة بالتأمل والقلق والأسئلة الوجودية.

في ديوانه سفر في رمال الجزيرة الصادر عام 1975، يظهر الشاعر مسكوناً بروح الرحلة والبحث؛ رحلة الإنسان العربي في صحراء التاريخ والأسئلة والخذلان.

كانت القصائد هناك تتحرك بين المكان الواقعي والمكان الرمزي، بين الصحراء بوصفها جغرافيا، والصحراء بوصفها عزلة روحية يعيشها الإنسان العربي.

أما ديوانه (الموت على الأرصفة) الصادر عام 1979، فقد بدا أكثر التصاقاً بالمدينة العراقية وهمومها اليومية، حيث يتحول الرصيف إلى رمز للإنسان المنسي، وللوحدة التي تبتلع أرواح البسطاء في المدن الكبيرة.

وفي (دعيني أغني يا عصور الذهب) الصادر عام 1989، تتجلى محاولة الشاعر للتمسك بالأمل وسط الخراب. فالعنوان نفسه يكشف عن شاعر يريد أن يستدعي الأزمنة الجميلة في مواجهة واقع عربي مثقل بالحروب والانكسارات. كانت قصيدته آنذاك أشبه بصوت داخلي يقاوم القبح عبر استعادة الجمال، ويقاوم اليأس عبر الإيمان بأن الشعر ما يزال قادراً على منح الإنسان معنى لوجوده.

ولأنه لم يكن شاعراً فقط، فقد اتجه أيضاً إلى الدراسات النقدية، مدفوعاً برغبة عميقة في فهم بنية القصيدة العربية وتحولاتها الفنية. وفي كتابه بناء القصيدة الفني في النقد العربي القديم والمعاصر، حاول أن يقرأ العلاقة بين التراث النقدي العربي والرؤى الحديثة، مقدماً جهداً أكاديمياً يعكس ثقافته الواسعة ووعيه العميق بالشعر بوصفه فناً متجدداً لا يتوقف عند زمن واحد.

ما يميز تجربته أن الشعر عنده لم يكن منفصلاً عن حياته اليومية؛ كان يعيش القصيدة قبل أن يكتبها.

ففي نصوصه إحساس واضح بالغربة الداخلية، حتى وهو بين الناس، وكأن الشاعر يحمل دائماً شعور المسافر الذي يبحث عن مدينة مثالية لا يجدها إلا في اللغة. وربما لهذا السبب بقيت قصيدته مشبعة بالحزن النبيل، لا الحزن المنكسر، بل ذاك الحزن الذي يمنح الإنسان قدرة أعمق على التأمل والفهم.

عرفت مرشد منذ سبعينات القرن الماضي، يوم كانت بغداد تضج بالحياة الثقافية، وكانت المقاهي والمنتديات تجمع الشعراء والكتّاب والحالمين بعراق أكثر إشراقاً.

ومنذ تلك السنوات المبكرة، كان يلفت الانتباه بهدوئه العميق ومثابرته النادرة؛ لم يكن من أولئك الذين يبحثون عن الضوء السريع أو الضجيج الثقافي، بل كان يؤمن أن الإبداع الحقيقي يُبنى بالصبر والتأمل والعمل الدؤوب.

كان قريباً من أصدقائه وزملائه بروح إنسانية صادقة، هادئاً في علاقاته، بعيداً عن الصراعات الصغيرة، يحمل احتراماً كبيراً للآخرين مهما اختلفت آراؤهم واتجاهاتهم.

وفي جلساته، كنت تشعر أنك أمام إنسان يسمع أكثر مما يتكلم، ويمنح من حوله طمأنينة المثقف الواثق من نفسه ومن تجربته.

لذلك بقيت علاقاته الإنسانية نقية ومستقرة، قائمة على الصدق والمودة والوفاء، وهي صفات نادرة في الوسط الثقافي، جعلته يحتفظ بمحبة كل من عرفه عن قرب، ليس كشاعر وأكاديمي فقط، بل كإنسان نبيل في حضوره وسلوكه وحياته.

والمؤلم اليوم أن هذا الشاعر الجميل، الذي منح عمره للكلمة والثقافة والجمال، يرقد على فراش المرض مثقلاً بوجع الجسد وقسوة الإهمال، غير قادر على تحمّل تكاليف العلاج، في مشهد يختصر مأساة المبدع العراقي الذي يضيء حياة الآخرين ثم يُترك وحيداً في عتمته الأخيرة.

إنها لحظة موجعة تكشف كيف تنام الدولة وسط فسادها الثقيل، منشغلة بثرواتها المنهوبة وصراعاتها، فيما يُترك المبدعون الذين صنعوا ذاكرة العراق ووجدانه يواجهون المرض والعوز بصمت مرير.

ولولا الموقف الإنساني النبيل الذي وقفه زميلنا الشاعر عارف الساعدي، إلى جانب جهود أصدقائه الأوفياء، مثل الناقد والكاتب عبد الله إبراهيم، وضياء خضير، وكذلك زيارات ومحبة زملائه محمد رضا مبارك وهاتف الثلج وغيرهم من الأصدقاء الذين لم ينسوه، لكان وجع العزلة أشد قسوة من المرض نفسه.

ففي مثل هذه اللحظات، لا يبقى للمبدع سوى وفاء أصدقائه ومحبة الذين يعرفون أن الثقافة ليست مهنة عابرة، بل عمرٌ كامل يُستهلك في خدمة الروح والإنسان.

لقد مثّل مرشد حمد ناصر الزبيدي نموذج المثقف العراقي الذي جمع بين الشعر والمعرفة والعمل الثقافي، دون أن يفقد تواضعه أو انحيازه للإنسان البسيط.

ومن خلال تجربته الممتدة بين القصيدة والنقد والصحافة، استطاع أن يترك أثراً خاصاً في الأدب العراقي الحديث، بوصفه صوتاً كتب العراق من الداخل، لا كشعار، بل كوجعٍ يوميّ، وذاكرةٍ لا تتوقف عن الحنين.

 

زر الذهاب إلى الأعلى