شكراً أيها الكبير على مقالتك. د.ياس خضير البياتي

يا شوقي كريم، أيها الساحر بالكلمات الذي يحوّل الذاكرة إلى نهر من الضوء والقلق المعرفي،
كيف لي أن أجيب عن هذا الاحتفاء الذي جعلَ صوتي مرآة لتحوّلات العصر، وساحة لصراع المعاني بين الإنسان والإعلام والسلطة؟!
أعتزّ بما كتبته، فهو شرف يفوق المناصب، من كبير المبدعين العراقيين والمثقّف العضويّ الذي يجمع التخصصات كالبحر أمواجه.
كتبتَ سيرتي كسيرة جيل يؤمن أنّ الكلمة موقف من العالم!
ليس من الأسهل أن يقال عن رجل عبَر نصف قرن من الأسئلة الموحشة، ولكنك فعلت، فجعلت صوتي وفكري مرآة لتحوّلات العصر، وساحة لصراع المعاني بين الإنسان والصوت والصورة والسلطة!
شكراً لك يا بحر المعرفة، فقد جعلتَ من “احتلال العقول” و”جمهوريّة الفيسبوك” ليس كتباً، بل خرائط إنذار لعصر يتبدَّل بالكلمات والخوارزميّات!
أنتَ المبدع الحقيقيّ، وهذا العرفان بباقات امتنان واحترام أبديّ.
النص
*****
توضيح مقصد القول..
ليس إعترافاً بفضل الأستاذ الجليل الذي قدم للمتلقي العراقي والعربي أجمل القراءات ولمجموعة خيرة نبيلة من ادباء وكتاب العراق، ،،اثارت جدلاً مثلما نالت الأعجاب،،أقدمه اليوم ليكون ضمن الرعيل المعرفي الذي قدمه ،،مع باقات من الإمتنان والعرفان!!
د..ياس خضير البياتي
الرجل الذي سمعَ ضجيجَ العالم قبل أن يتحوّل إلى شاشة!!

إشارة تعظيم كتبها/شوقي كريم حسن
ليس من السهل أن يُكتب عن رجلٍ عبر نصف قرنٍ من الأسئلة الموحشة العظيمة، دون أن يتحول الكلام إلى سردٍ جافٍّ للمناصب، الأسماء لا تُعرَّف بوظائفها، بل بالأثر الذي تتركه في اللغة، وفي الوعي، وفي الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.ومن هذه الأسماء يبرز الدكتور ياس خضير البياتي بوصفه واحدًا من أولئك الذين لم يتعاملوا مع الإعلام ،كحرفةٍ عابرة، بل قوةٍ اجتماعية قادرة على إعادة تشكيل الإنسان والذاكرة والسلطة معًا.
جاء من زمنٍ كانت فيه الصحافة تُكتب بالحبر الثقيل، وتُناقش فيه الأفكار كما لو أنها مصائر أمم، فجمع بين صرامة الأكاديمي وحدس الكاتب، بين مختبر الجامعة وصخب الجريدة، بين النظرية التي تُدرَّس، والحياة التي تُختبر كل يوم.ولذلك بدا مشروعه الفكري أقرب إلى محاولةٍ طويلة لفهم العلاقة الملتبسة بين الإنسان والصوت والصورة والسلطة.في تجربة الدكتور ياس خضير البياتي لا يظهر الإعلام باعتباره وسيلة نقل أخبار، بل بوصفه مرآةً للتحولات الاجتماعية الكبرى، وساحةً لصراع المعاني، وميدانًا خفيًا لإحتلال العقول أو تحريرها.ولهذا كان مبكرًا في التقاط الزلازل التي أحدثها الإعلام الجديد، حين قرأ شبكات التواصل لا كأدوات تقنية، بل كتحولات تمسّ بنية المجتمع ، وتعيد تعريف الجمهور والهوية والوعي الجمعي.ينتمي إلى جيل عراقي ا آمن بأن الأستاذ الجامعي ليس موظفًا في قاعة محاضرات، إنما حامل مشروع معرفي.ومن هنا تنقّل بين الجامعات العربية كما ينتقل حامل الضوء بين المدن، تاركًا أثره في طلبةٍ وباحثين وصحفيين وجدوا فيه نموذجًا نادرًا للأستاذ الذي لا يفصل الفكر عن الواقع، ولا الصحافة عن الفلسفة الإجتماعية.وحين نقرأ عناوين كتبه، نشعر أننا أمام عقلٍ يصغي لتحولات العصر بقلقٍ معرفي عميق؛من “إحتلال العقول” إلى “الإعلام الجديد: تسونامي الثورات وجمهورية الفيسبوك”، يحاول كتابة سيرة الإنسان العربي بمواجه الطوفان الإعلامي الحديث، بكل ما فيه من إغواءٍ وخطرٍ وأسئلة.إن أهمية ياس خضير البياتي لا تكمن في عدد كتبه، أو المناصب التي تقلدها، إنما في كونه واحدًا من الأصوات التي سعت إلى بناء تقاليد أكاديمية للإعلام العراقي، وإلى منح هذا الحقل بُعدًا فكريًا يتجاوز التلقين المهني نحو التفكير النقدي والمعرفة الاجتماعية.وإذا ترك بعض الأكاديميين خلفهم شهاداتٍ معلّقة على الجدران، فإن آخرين يتركون طريقةً في التفكير.ويبدو أن الدكتور ياس خضير البياتي من النوع الأخير؛أولئك الذين يعبرون المؤسسات، لكنهم يستقرّون طويلًا في ذاكرة الثقافة.ثمة رجالٌ لا يمكن وضعهم داخل سيرةٍ مهنية عادية، لأن أعمارهم لم تُقَس بعدد الوظائف التي شغلوها، بل بعدد الأسئلة التي أيقظوها في العقول.ومن هذا الطراز يجيء الدكتور ياس خضير البياتي؛رجلٌ عبر الإعلام مفكرٌ مبدع وسط مدينةً مضطربة، محاولًا فهم لا ما يُقال، بل لماذا يُقال، ولصالح مَن، وكيف يتحول الكلام إلى سلطةٍ كاملة.هو من جيل أدرك مبكرًا أن العالم يتغير من داخل اللغة، وأن الصحافة ليست أوراقًا تُطبع كل صباح، بل شكلٌ من أشكال هندسة الوعي.ولهذا لم يك حضوره الجامعي منفصلًا عن قلقه الفكري، ولا كتاباته الصحفية بعيدةً عن رؤيته السوسيولوجية العميقة. في محاضراته يظهر الإعلام بوصفه علمًا للحياة اليومية، وليس مجرد تخصّص أكاديمي.و الطلبة يشعرون أنهم أمام أستاذٍ لا يشرح النظريات فحسب، بل يكشف البنية الخفية للمجتمع، ويقرأ الأخبار كما يقرأ عالمُ آثارٍ طبقاتِ مدينةٍ مدفونة.وحين انتقل بين بغداد وعواصم عربية أخرى، لم يك مجرد أستاذٍ زائر، بل حاملًا لذاكرة المدرسة العراقية في الإعلام؛تلك المدرسة التي مزجت الصرامة العلمية بالحس الثقافي، وربطت بين الصحافة والفكر، وبين الخبر والتحولات الاجتماعية الكبرى. كتب عن الإعلام الجديد قبل أن يصبح قدرًا يوميًا للبشر، وانتبه إلى خطورة “جمهورية الفيسبوك” قبل أن تتحول المنصات إلى أوطانٍ بديلة، وأسواقٍ للعواطف، ومرايا عملاقة للضجيج الإنساني. يرى أن أخطر ما تفعله الوسائط الحديثة ليس نقل المعلومات، بل إعادة تشكيل الإنسان نفسه.ومن هنا جاءت كتبه وكأنها خرائط إنذار مبكر لعصرٍ يتبدل بسرعةٍ هائلة؛عصرٍ تُحتل فيه العقول بهدوء، وتُدار فيه الحروب بالكلمات والصور والخوارزميات، لا بالمدافع وحدها.
ولأن الرجل جمع بين الصحافة والأكاديمية، فقد امتلك نبرةً نادرة:
لغة الباحث الذي يعرف معنى الدقة، وحدس الكاتب الذي يعرف أن الأفكار إن لم تمسّ الروح تبقى جافةً كأرقام الأرشيف.إن الحديث عن ياس خضير البياتي ليس احتفاءً بشخصٍ ، بل استذكارٌ لجيلٍ كاملٍ من المثقفين العراقيين الذين حاولوا أن يجعلوا من الإعلام معرفةً، ومن المعرفة مسؤوليةً أخلاقية.جيلٍ يؤمن أن الكلمة ليست زينةً لغوية، إنما موقفٌ من العالم.
وهكذا يبقى أسم ياس خضير البياتي أشبه بإشارةٍ معرفية مضيئة في تاريخ الإعلام العراقي والعربي؛اسمًا لا يمرّ بوصفه أستاذًا وصحفيًا ، بل بوصفه عقلًا ظلّ يصغي طويلًا إلى تحولات الإنسان، حتى صار جزءًا من ذاكرتها الثقافية ذاتها.!!!
ليس إعترافاً بفضل الأستاذ الجليل الذي قدم للمتلقي العراقي والعربي أجمل القراءات ولمجموعة خيرة نبيلة من ادباء وكتاب العراق، ،،اثارت جدلاً مثلما نالت الأعجاب،،أقدمه اليوم ليكون ضمن الرعيل المعرفي الذي قدمه ،،مع باقات من الإمتنان والعرفان!!