مبدعون في الذاكرة (55) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية عالية ممدوح… الروائية والصحفية التي كتبت المنفى بالحبر والوجع ياس خضير البياتي


ياس خضير البياتي
ثمة كُتّاب يكتبون الرواية بوصفها حكاية، وثمة آخرون يكتبونها باعتبارها سيرةً داخلية للروح، محاولة لفهم الإنسان وهو ينهار بصمت تحت وطأة الذاكرة والمنفى والخوف والرغبة.
وعالية ممدوح تنتمي إلى الصنف الثاني؛ إلى أولئك الذين لا يكتبون الأدب من الخارج، بل من قلب الجرح نفسه.
إنها ليست مجرد روائية عراقية بارزة، بل واحدة من أهم الأصوات السردية العربية التي استطاعت أن تحوّل الألم الشخصي والمنفى والحنين إلى لغةٍ أدبية شديدة الخصوصية، لغةٍ تبدو أحيانًا كأنها اعتراف طويل، وأحيانًا أخرى كأنها قصيدة مكسورة تكتبها امرأة تبحث عن ذاتها وسط خراب العالم.
ولدت عالية ممدوح التكريتي في بغداد عام 1944، في مدينةٍ كانت آنذاك أشبه بكائن حيّ يتنفس الثقافة والفن والحكايات. بغداد الأربعينيات والخمسينيات لم تكن مجرد مدينة عادية؛ كانت فضاءً مليئًا بالمقاهي الأدبية، والمجلات الفكرية، والأصوات الشعرية، والنقاشات السياسية، والطبقة الوسطى التي كانت تؤمن بالكتاب والتعليم والجمال.
في حي الأعظمية، حيث أمضت سنواتها الأولى، تشكلت علاقتها المبكرة بالمكان.
هناك، قرب الأزقة القديمة ورائحة دجلة والبيوت التي تحتفظ بأسرار العائلات العراقية، بدأت ملامح حساسيتها الإنسانية تتكون بصمت. كانت تنظر إلى العالم بعين طفلة تراقب التفاصيل الصغيرة؛ الوجوه المتعبة، النساء اللواتي يحملن أسرار البيوت، الصمت الثقيل في العيون، والحزن العراقي المزمن الذي كان يتخفى خلف الضحكات اليومية.
ولعل ما ميّزها منذ بداياتها هو أنها لم تكن تنظر إلى الحياة كوقائع عابرة، بل كطبقات معقدة من المشاعر والهواجس والأسئلة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تختار دراسة علم النفس في الجامعة المستنصرية، وتتخرج فيها عام 1971. كان علم النفس بالنسبة إليها أقرب إلى بوابة لفهم الإنسان، لا بوصفه كائنًا اجتماعيًا فقط، بل بوصفه متاهة من الرغبات والخوف والذاكرة.
وهذا ما سينعكس لاحقًا في رواياتها، حيث تبدو شخصياتها دائمًا وكأنها تعيش داخل صراع داخلي دائم؛ شخصيات مأزومة، قلقة، مثقلة بالماضي، تبحث عن الحب والخلاص والمعنى، لكنها غالبًا ما تصطدم بجدران الوحدة والمنفى والخذلان.
دخلت الصحافة مبكرًا، في زمنٍ كانت فيه الكلمة تملك وزنها الحقيقي. عملت في الصحافة الثقافية والإعلامية، وترأست تحرير صحيفة “الراصد” البغدادية الاسبوعية بين عامي 1971 و1980، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه النسوية في الوسط الصحفي العراقي آنذاك.
لم تكن الصحافة بالنسبة لعالية ممدوح مجرد وظيفة، بل مساحة لاختبار اللغة، ومراقبة تحولات المجتمع والسياسة والإنسان العراقي.
كانت تكتب وتحرر وتتابع المشهد الثقافي بعين المثقفة التي تؤمن أن الكتابة ليست حيادية تمامًا، بل موقف وجودي من العالم.
غير أن العراق، الذي أحبته حد الألم، لم يكن كريمًا مع أبنائه المبدعين. ومع تصاعد التحولات السياسية والحروب والاختناق الثقافي، غادرت بغداد عام 1982، وكأنها تقتلع جزءًا من روحها وهي تغادر. لم يكن المنفى بالنسبة إليها رحلة سفر، بل بداية قطيعة موجعة مع المكان الأول، مع الشوارع التي حفظت خطواتها، ومع المدينة التي بقيت تسكنها حتى وهي بعيدة عنها بآلاف الكيلومترات.
تنقلت بين بيروت والمغرب وبرايتون وكاردف ومونتريال، قبل أن تستقر في باريس، المدينة التي ستصبح لاحقًا مكانًا لعزلتها الطويلة وكتابتها الأكثر نضجًا ومرارة.
لكن باريس، رغم جمالها وأناقتها، لم تستطع أن تنتزع بغداد من داخلها. ظلت بغداد حاضرة في كل ما تكتبه، لا كمدينة فقط، بل كذاكرة كاملة، وكجرحٍ مفتوح لا يلتئم.
كانت تكتب العراق كما يكتبه المنفيون الحقيقيون؛ لا بوصفه وطنًا سياسيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من تكوينهم النفسي والعاطفي.
لذلك جاءت رواياتها مشبعة برائحة المكان العراقي، بالأحياء القديمة، بالعلاقات العائلية، بالخوف، بالحروب، بالنساء اللواتي ينتظرن، وبالرجال الذين تبتلعهم السلطة أو المنافي أو الخيبات.
بدأت رحلتها الأدبية بمجموعتها القصصية “افتتاحية للضحك” عام 1973، ثم “هوامش إلى السيدة ب” عام 1977، لكن التحول الأهم جاء مع دخولها عالم الرواية.
في روايتها “ليلى والذئب” عام 1981، ظهرت ملامح صوتها السردي الخاص؛ لغة شعرية، مكثفة، تنحاز إلى الداخل النفسي للشخصيات أكثر من الأحداث الخارجية.
ثم جاءت “الولع”، الرواية التي اعتبرها كثيرون واحدة من أجمل الروايات العربية التي تناولت الحب والرغبة والحنين.
هناك، بدا الحب عند عالية ممدوح ليس خلاصًا، بل نوعًا آخر من العذاب الجميل.
لكن رواية “حبات النفتالين” كانت لحظة مفصلية في تجربتها. الرواية التي تُرجمت إلى عدة لغات، ودُرست في جامعة السوربون، لم تكن مجرد سرد لحكاية عائلية عراقية، بل محاولة لاستعادة ذاكرة وطن كامل عبر تفاصيل البيت العراقي، والروائح، والأحاديث، والخسارات الصغيرة التي تصنع التاريخ الحقيقي للناس.
في هذه الرواية، كما في أغلب أعمالها، تبدو الذاكرة بطلةً مركزية. شخصياتها لا تعيش الحاضر فقط، بل تعيش مطاردة دائمة للماضي. وكأن الكتابة عندها فعل مقاومة ضد النسيان.
ثم جاءت رواية “المحبوبات”، التي فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية من الجامعة الأمريكية في القاهرة، لتؤكد مكانتها كواحدة من أهم الروائيات العربيات المعاصرات.
في هذه الرواية، كتبت الصداقة الأنثوية، والوحدة، والهشاشة الإنسانية، بلغةٍ تمتزج فيها الرقة بالقسوة، والحنين بالخيبة.
غير أن أكثر أعمالها إثارة للجدل كانت رواية “الغلامة”. هنا بلغت عالية ممدوح ذروة جرأتها الفنية واللغوية.
كتبت الجسد الأنثوي بلا خوف، وواجهت الذكورية والقمع الاجتماعي والسياسي بلغةٍ حادة ومتمردة. كانت الرواية صادمة للبعض، لكنها بالنسبة للنقاد شكلت علامة فارقة في الرواية العربية الحديثة.
لقد كانت تكتب المرأة باعتبارها كائنًا حيًا كاملًا، لا مجرد ظل للرجل أو ضحية هامشية.
المرأة في نصوصها راغبة، غاضبة، خائفة، عاشقة، متمردة، وهشة في الوقت نفسه. ولهذا بدت شخصياتها النسائية حقيقية ومؤلمة وعميقة.
أسلوبها السردي لم يكن سهلًا أو مباشرًا. كانت تكتب بلغةٍ كثيفة، متداخلة، تعتمد على التداعي الحر، والاستبطان النفسي، والانزياحات الشعرية.
القراءة لها تحتاج إلى قارئ يصبر على النص، ويتورط فيه عاطفيًا وفكريًا، لأن رواياتها لا تُقرأ بسرعة، بل تُعاش.
ولعل أكثر ما يميز تجربتها أنها لم تسقط في خطاب المنفى التقليدي. لم تكتب عن الحنين بوصفه بكاءً رومانسيًا على الوطن، بل كتبته بوصفه سؤالًا وجوديًا: كيف يمكن للإنسان أن يستمر في الحياة وهو منفصل عن جذوره؟ وكيف يتحول الوطن إلى ذاكرة أكثر منه مكانًا؟
في كتابها “الأجنبية”، الذي يمزج السيرة الذاتية بالتأملات واليوميات، تبدو عالية ممدوح أكثر عريًا وصدقًا.
هناك، تعترف باغترابها العميق، وبشعورها الدائم بأنها “أجنبية”، حتى عن نفسها أحيانًا. لكنها كانت عبر الكتابة تستعيد مواطنتها المفقودة، وتصنع وطنًا لغويًا بديلًا.
لقد استطاعت أن تحول الكتابة إلى بيت مؤقت، وإلى وسيلة لمقاومة الانكسار الداخلي.
كانت تعرف أن المنافي لا تُشفى، لكنها كانت تؤمن أن الأدب يمكن أن يجعل الجرح أكثر احتمالًا.
وفي رواياتها الأخيرة، مثل “التشهي”، و”غرام براغماتي”، و”التانكي”، و”خلوة النقص”، بدا صوتها أكثر تأملًا وهدوءًا، لكنه أكثر مرارة أيضًا.
هناك امرأة تنظر إلى العالم من مسافة طويلة، وتتأمل الشيخوخة والمرض والوحدة والذاكرة بعين من عاش كثيرًا وخسر كثيرًا.
ومع كل هذا الحزن، لم تكن كتابتها استسلامًا. كانت مقاومة جمالية ضد القبح والخراب والنسيان.
كانت تؤمن أن الأدب ليس ترفًا، بل طريقة لفهم الحياة، ولإنقاذ الإنسان من العدم.
لقد ترجمت أعمالها إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية ولغات أخرى، واحتفت بها المؤسسات الثقافية العربية والعالمية، لأنها لم تكن تكتب نصوصًا محلية ضيقة، بل نصوصًا إنسانية قادرة على عبور الحدود والثقافات.
تعرفتُ إلى عالية ممدوح عام 1972 في صحيفة الراصد، يوم كنتُ أخطو خطواتي الأولى في عالم الصحافة، محمولًا بحماسة البدايات ودهشة الدخول إلى ذلك الوسط الثقافي الصاخب بالأسماء والأفكار. يومها قدّمني إليها الروائي عادل عبد الجبار، وكأنّه يفتح لي بابًا واسعًا على عالم الأدب والصحافة معًا.
في تلك اللحظة، وجدتُ نفسي أمام ثلاثة مبدعين دفعةً واحدة: عالية ممدوح، التي كانت مسؤولة النشر في الصحيفة بحضورها الهادئ وذكائها اللافت، والروائي عادل عبد الجبار بثقافته الواسعة وشخصيته المختلفة، وصادق الصائغ الذي كان حضوره الثقافي والأدبي يملأ المكان.
وهناك كان أيضا زوجها مصطفى الفكيكي، وكان من الأسماء المرتبطة برئاسة تحرير صحيفة الراصد المستقلة, وله حضور في المشهد الصحفي آنذاك.
في تلك الفترة، كنتُ قد كتبتُ تحقيقًا صحفيًا مثيرًا عن الدراويش وظاهرة “الأعمال الخفية” والأسرار الغامضة المرتبطة بهم نشر في الصفحة الأولى، وقد عشتُ أيامًا طويلة بينهم لأكشف بعض ما كان يدور داخل تلك العوالم المغلقة.
كان تحقيقًا جريئًا بالنسبة لصحفي شاب في بداياته، وحين نُشر أحدث ضجة واسعة، حتى إنني تعرضتُ للتهديد بسبب ما كشفه من وقائع وأسرار أثارت الكثير من الجدل.
ومنذ ذلك الوقت، شعرتُ أنها لم تكن مجرد صحفية أو أديبة عابرة، بل كانت تمتلك روحًا مختلفة؛ قريبة من الشباب، مؤمنة بالمواهب الجديدة، تمنحهم الثقة وتشجع خطواتهم الأولى بحماسة نادرة. كانت تتعامل مع الكلمة بوصفها مسؤولية، ومع الجيل الجديد بوصفه مشروع المستقبل، ولذلك بقي حضورها في الذاكرة مرتبطًا بالأناقة الثقافية والموقف الإنساني النبيل.
وعندما نتأمل تجربة عالية ممدوح اليوم، ندرك أننا لا نتحدث عن كاتبة عراقية فقط، بل عن ذاكرة سردية كاملة للعراق الحديث؛ عراق الحروب والمنفى والنساء والخراب والأحلام المؤجلة. إنها امرأة حملت بغداد معها أينما ذهبت، وكتبت الوطن كأنه حبيب ضائع، وكتبت المنفى كأنه قدر لا فكاك منه، وكتبت الإنسان وهو يحاول أن يبقى حيًا رغم كل شيء.
وحين نقرأ لها نشعر أننا لا نقرأ رواية فحسب، بل نصغي إلى روحٍ عراقية وحيدة، تجلس في مقهى باريسي بعيد، وتعيد كتابة بغداد من الذاكرة… خوفًا من أن تموت مرتين: مرة بالحرب، ومرة بالنسيان.
****
لأنها لا تتعامل مع فيسبوك، فقد أرسلت لي هذه الرسالة عبر الواتساب من الزميل صباح اللامي. هذا نصها:
“جميل الوفاء العراقي لفن الكتابة وتفلية جلود المفردات والحفر في طبقات الاعمال والروح التي كانت تحتضر وتعود لتنجز في وحدة استثنائية ليس بمقدور الجميع تحملها .
اشكرك دكتور البياتي على كرم قلبك وقلمك .
دمت عراقيا اصيلا.”
شكرا للكبيرة عالية . ..