فكر وفن

مبدعون في الذاكرة (53) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية شامل عبد القادر الحصاري: نصف قرن في قلب الصحافة والذاكرة العراقية ياس خضير البياتي

ياس خضير البياتي

في مدينة البصرة، وتحديدًا في منطقة الجبيلة، وُلد شامل عبد القادر الحصاري في الثالث من أيار عام 1949، حين كان والده ضابطًا في الجيش العراقي يحمل لقب “إمام عسكري“.

لم تكن ولادته حدثًا عابرًا في حي شعبي يزخر بأصوات الباعة وروائح الملح القادمة من الخليج، بل كانت بداية لمسيرة طويلة ستتداخل فيها الذاكرة الشخصية مع ذاكرة وطن بأكمله.

تتخلل مذكراته مشاهد من طفولته المبكرة في البصرة، حيث كان اللعب بين الأزقة بمثابة دروس في الملاحظة والفضول.

كما يروي تفاصيل انتقال العائلة بين المحافظات، والتعرف على ألوان المجتمع المختلفة، والانتباه إلى الفوارق الدينية والعرقية والسياسية منذ سن مبكرة.

وقد شارك في مسابقات صحفية للأطفال، وكانت مجلة “بساط الريح” اللبنانية أول منصة احترافية كتب من خلالها، وفاز بالمرتبة الأولى، لتكون تلك اللحظة بوابة دخوله إلى عالم الصحافة، وتجربة شكلت شخصيته الصحفية المستقبلية: قلم يكتب من القلب، وعين لا تغفل عن التفاصيل، ووعي بما وراء الكلمات.

ينتمي شامل إلى عشيرة بلباس الكردية . أما جده الحاج قادر فقد تزوج من ابنة تاجر من عشيرة العبودة في النجف الأشرف، ليصبح البيت مزيجًا من أصول كردية وعربية، يعكس تنوع العراق نفسه. والده تزوج من كريمة الحاج رشيد قادر الجاف، رئيس عرفاء الشرطة الذي اعتقل في ثورة الشيخ محمود الحفيد بمعركة طاسلوجة عام 1915، حيث فرضت السلطات البريطانية عليه الإقامة الجبرية. هذه الخلفية العائلية المليئة بالتمردات الوطنية والأحداث السياسية زرعت في الطفل بذور الاهتمام بالتاريخ والذاكرة.

عام 1954، انتقلت الأسرة إلى وحدة الميدان الطبية الرابعة التابعة للفرقة الثانية، ثم إلى كركوك، حيث درس شامل في مدرسة المصلى الابتدائية والمدرسة الأيوبية.

كانت لوالده مكتبتان كبيرتان باللغة العربية تضم كتبًا تراثية ودينية وتاريخية، مثل “ألف ليلة وليلة” و”سيف بن ذي يزن”، وقد نهبت لاحقًا، لكنها شكّلت جذور ثقافته الأولى.

بعد مجزرة كركوك الدموية في 14 تموز 1958، انتقلت الأسرة إلى بغداد، وهناك أكمل دراسته في متوسطة الكاظمية، جسر الأئمة، وأبي العلاء المعري، وكان من أبرز أساتذته عبد الأمير الورد وخليل الورد ومرتضى الشديدي.

هذه التنقلات بين البصرة والناصرية والسماوة وكركوك وبغداد لم تكن مجرد انتقالات جغرافية، بل كانت مدرسة حياة مبكرة، حيث تعلّم أن العراق متعدد الأوجه، وأن الصحافة لا تنفصل عن فهم المجتمع.

في كل مدينة، اكتشف وجهًا جديدًا للعراق: في البصرة التجارة والأنهار، في الناصرية السهول الزراعية، في السماوة العادات البدوية، وفي كركوك تنوع القوميات والأديان.

في أوائل السبعينيات، التحق بجامعة البصرة قسم القانون، ثم انتقل في سنته الأخيرة إلى جامعة بغداد وتخرج عام 1972.

لاحقًا، أكمل دراسة اللغة العبرية في كلية اللغات بجامعة بغداد عام 1998، وخصّص أبحاثه للجالية اليهودية العراقية، فأصدر كتبًا عن النشاط الصهيوني، هجرة اليهود، والجواسيس الإسرائيليين في العراق.

بدأ النشر الصحفي عام 1964 في مجلات مثل الأنوار، كل شيء، قناديل، المنار، الثقافة الجديدة، والغد. ثم انتقل إلى جريدة الثورة عام 1972، حيث كتب في قسم الدراسات الفكرية، قبل أن يعمل في التحقيقات الصحفية بجريدة الجمهورية بدعم من زيد الفلاحي وداود الفرحان وسامي مهدي.

بين 1975 و1990، عمل مديرًا لإعلام وزارة الشباب، وأدار المكتب الإعلامي للوزير نوري فيصل الشاهر، كما حرر صفحة الشباب في جريدة الرياضي. خلال الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1990)، خدم في الاحتياط وأصدر كتبًا مهمة مثل: أضواء على حركة الشباب في العراق، مسيرة الشباب، التفاحة المتعفنة، منطقة الظل في حرب الخليج، لعبة الكبار، والحرب العالمية بعد الثانية.

في كانون الثاني 1990، انتقل إلى مجلة ألف باء، حيث شغل جميع المواقع التحريرية: رئيس قسم التحقيقات، القسم السياسي، المحليات، المعلومات، سكرتير التحرير، وعضو مجلس الإدارة والتحرير.

بعد سقوط النظام عام 2003، عمل في جريدة المنار، ثم أسس جريدة المشرق وكان أول من ابتكر صفحة “ذاكرة عراقية” في الصحافة المحلية، وهي صفحة أصبحت علامة فارقة لأنها أعادت إحياء التاريخ المنسي وربطته بالحاضر.

منذ عام 2010 وحتى اليوم، أصدر أكثر من 46 كتابًا في التاريخ السياسي الحديث والمعاصر، منها 31 كتابًا محفوظة في مكتبة .

من أبرز أعماله: عبد الكريم قاسم: البداية والنهاية (2002)، الاغتيال بالدبابة: أسرار انقلاب 8 شباط 1963 (2011)، يهود العراق: المقدمات التاريخية والخطاب الثقافي (2013)، مجزرة قاعة الخلد 22 تموز 1979 (2013)، وأحمد حسن البكر: السيرة السياسية ودوره في تاريخ العراق السياسي الحديث (1914–1983) (2016).

إلى جانب الصحافة المكتوبة، قدّم برامج تاريخية عن الذاكرة العراقية في قنوات مثل البغدادية، السلام، دجلة، الديوان، العراقية، كردستان، الاتجاه، الميادين، وغيرها. كما أصدر ثلاث مجلات بعد 2003: ألف باء (2018)، أسرار، وأوراق من ذاكرة العراق (2012–2025).

يتميز أسلوبه الصحفي بالرصانة والدقة: لا يكتب من أجل المديح، بل من أجل فهم الحدث وتحليله، والتوثيق الدقيق من مصادر متعددة.

يمزج السرد بالتحليل، ويولي اهتمامًا خاصًا بالتفاصيل الإنسانية حتى في أعتى الحوادث. زملاؤه يصفونه بأنه صحفي ملتزم بالحقائق، صبور في جمع المعلومات، لا يكتب إلا حين يلمس جوهر الحدث، ويفتح للقارئ فضاءات جديدة.

بعد عام 2003، لم يكن حضوره في الصحافة والكتابة مجرد استمرار لمسيرته الطويلة، بل تحوّل إلى مساحة جدل مفتوح. فقد جاءت مقالاته وكتبه عن النظام السابق محمّلة بقدر كبير من النقد، إلى درجة أن بعض القرّاء رأوا فيها مبالغة أو قسوة غير مبررة، خاصة وأنه شغل مناصب عليا في المؤسسات الصحفية الرسمية خلال تلك الحقبة، ما جعلهم يتساءلون: هل يكتب اليوم لتصفية حسابات مع الماضي، أم لتبرئة نفسه من مسؤولياته السابقة؟

في المقابل، هناك من اعتبر أن ما كتبه كان طبيعيًا، بل ضروريًا، لأنه جزء من حريته الشخصية بعد سقوط القيود. فالصحفي الذي عاش تحت اعلام مركزي، وأُجبر على العمل ضمن منظومة إعلامية رسمية، يحق له أن يكتب بجرأة حين تتاح له الفرصة، وأن يراجع التجربة بوعي جديد.

لكن ما يميز الحصاري أنه لم يكتفِ بالنقد السياسي المباشر، بل ربطه بمشروعه الأوسع: الذاكرة العراقية. فقد ابتكر صفحة “ذاكرة عراقية” في الصحافة المحلية، وأصدر عشرات الكتب التي تحاول إعادة قراءة الماضي، ليس فقط من زاوية السلطة، بل من زاوية المجتمع أيضًا. وهنا يتضح أن الجدل حول كتاباته لم يكن مجرد خلاف على تقييم النظام السابق، بل كان خلافًا على معنى الذاكرة نفسها: هل هي أداة لتصفية الحسابات، أم وسيلة لفهم التاريخ وتوثيقه؟

بهذا المعنى، فإن الجدل حول كتاباته لم يكن مجرد نقاش شخصي، بل كان جزءًا من جدل وطني حول كيفية التعامل مع إرث النظام السابق. البعض رأى في كتاباته إفراطًا في جلد الذات، والبعض الآخر وجد فيها شجاعة في مواجهة الحقيقة.

اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن من العمل الصحفي والتأريخي، يقف شامل عبد القادر الحصاري كرمز للالتزام المهني والفكري. سيرته ليست مجرد سجل شخصي، بل وثيقة حيّة لتاريخ العراق المعاصر، تعكس التجربة الإنسانية والسياسية والاجتماعية، وتعيد للقارئ معنى الكلمة بوصفها مسؤولية ورسالة. وكما يكتب في مقدماته: “الصحافة ليست مهنة فحسب، بل التزام فكري وأخلاقي تجاه الناس والتاريخ.@@

 

زر الذهاب إلى الأعلى