هل بإمكان السيستاني إنقاذ العراق من مأزقه؟ كرم نعمة

يبدو السؤال في عنوان هذا المقال أكبر من مجرد استفسار سياسي. إنه سؤال عن طبيعة السلطة في العراق، وعن حدود الدولة، وعن الدور الذي يمكن لرجل دين واحد أن يلعبه في لحظة تتقاطع فيها أزمات الداخل مع صراعات الإقليم. ومع أن السؤال يقترب من الأمنية، فإن كثيرين داخل #العراق وخارجه يعتقدون أن الإجابة قد تكون: نعم، إذا أراد المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي #السيستاني ذلك. لكن هذه الـ“نعم” ليست بسيطة، ولا مضمونة، ولا خالية من المخاطر. فالعراق اليوم يقف في قلب مواجهة أميركية–إيرانية تتخذ من أراضيه ساحة مفتوحة. الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران تستهدف مواقع أميركية، فيما تردّ واشنطن بضربات داخل العراق، وتنفذ #إيران هجمات بذريعة ضرب “مصالح أميركية”، بينما تستهدف الفصائل نفسها مؤسسات عراقية. إنها معادلة عبثية: بلد يُضرب من الخارج والداخل، وتتحرك على أرضه قوى مسلحة لا تخضع لسلطة الدولة، لكنها تتحدث باسمها. في هذا السياق، تبدو فكرة الاستعانة بالسيستاني محاولة للعودة إلى آخر مصدر متبقٍ للشرعية الوطنية. فالرجل الذي تُرفع صوره في الشوارع أكثر من أي رئيس عراقي، هو المرجعية التي تستند إليها الحكومات المتعاقبة كلما واجهت أزمة وجودية منذ عام 2003. لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان السيستاني قادراً على إصدار فتوى تُلزم بحل الفصائل المسلحة، بل ما إذا كانت هذه الفتوى ستُطاع. فصدور فتوى لا تجد طريقها إلى التنفيذ سيقوّض هيبة المرجعية نفسها، ويكشف حدود تأثيرها في لحظة مفصلية. الأزمة لم تعد داخلية فقط. فخلال أسبوع واحد، استُدعي ثلاثة دبلوماسيين عراقيين في واشنطن والرياض و #الكويت احتجاجاً على هجمات نُسبت إلى فصائل عراقية مرتبطة بإيران. الولايات المتحدة تحدثت عن “اعتداء إرهابي” قرب مطار بغداد، و #السعودية أبلغت السفيرة العراقية رفضها “الاعتداءات الصادرة من الأراضي العراقية”، والكويت احتجت على اقتحام قنصليتها في البصرة. هذه الاستدعاءات المتزامنة تكشف حجم الانكشاف الدبلوماسي للعراق، وعجز حكومته عن ضبط الفصائل التي تتصرف كقوى موازية للدولة. في ظل هذا المشهد، تبدو العودة إلى السيستاني خياراً اضطرارياً لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي لا يمتلك سلطة فعلية على الفصائل. لكن دور السيستاني السياسي يظل لغزاً. فهو يعلن رفضه إدخال الدين في السياسة، لكنه يجد نفسه، بموافقته أو من دونها، المرجعية التي تُستدعى لتزكية الدساتير، وقوانين الانتخابات، وحتى تشكيل “#الحشد_الشعبي”. وعندما خرج الحشد عن سلطة الدولة وطُلب منه إصدار فتوى لحله، أجاب بأن فتوى “الجهاد الكفائي” ضد سيطرة تنظيم داعش ولم تكن تأسيساً للحشد، وبالتالي لا يمكن استخدامها لحله. هذا التناقض يتجسد في منزل صغير في أحد أزقة النجف القديمة، لا تستطيع سيارة دخوله. منزل متواضع، لكنه كان ولا يزال مركز ثقل سياسي منذ 2003. الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر أدرك ذلك مبكرا وبعد أيام من احتلال العراقً، والسياسيون العراقيون أدركوه لاحقاً: الطريق إلى السلطة يمر عبر عتبة ذلك البيت. ومع أن السيستاني يحتفظ بجواز سفره الإيراني ويرفض الحصول على الجنسية العراقية رغم توسلات السياسيين، فإنه أصبح المرجع الذي يحدد حدود الشرعية السياسية في بغداد. لكن المفارقة الكبرى أن الرجل الذي لم يظهر علناً إلا مرات معدودة، والذي لا يعرف أحد تفاصيل حياته اليومية، أصبح اللاعب الأكثر تأثيراً في مستقبل دولة تعاني من انهيار مؤسساتها. ومع أن المقربين منه يؤكدون أنه فقد الثقة بالطبقة السياسية وأغلق بابه أمامها، فإن هذه الطبقة لا تزال تتشبث بعبارته الشهيرة: “توجيهات المرجعية الرشيدة”. يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع السيستاني إنقاذ العراق؟ الإجابة تعتمد على ثلاثة عناصر: أولاً: استعداد الفصائل المسلحة للانصياع. وهو احتمال غير مضمون، لأن هذه الفصائل تمتلك مصادر تمويل وتسليح مستقلة، وترتبط بشبكات إقليمية تتجاوز سلطة الدولة. ثانياً: قدرة الدولة على استثمار أي فتوى. فحتى لو أصدر السيستاني فتوى واضحة، فإن تنفيذها يتطلب دولة قادرة، وهو ما يفتقر إليه العراق حالياً. ثالثاً: موقف إيران .فالدور الذي تلعبه الفصائل جزء من استراتيجية إقليمية أوسع، وأي تغيير في وضعها داخل العراق لا يمكن فصله عن حسابات طهران. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان السيستاني قادراً على إنقاذ العراق، بل ما إذا كان العراق نفسه قادراً على إنقاذ دوره من الاعتماد على رجل واحد. فدولة تُبنى شرعيتها على باب منزل في زقاق ضيق من أزقة النجف، لا يمكنها أن تستعيد سيادتها ما لم تُعد تعريف السلطة نفسها
. نص المقال المنشور بالإنجليزية في
https://middleeastmonitor.com/20260421-can-sistani-save-iraq-from-its-predicament/