بلاغة التهديد اللفظي: لماذا يخذل ترامب الشعوب الإيرانية مجدداً؟ كرم نعمة

“أنتم تعرفون كيف يكون التفاوض مع دولة تهزمونها بشدة. يأتون إلى طاولة التفاوض، ويتوسّلون لإبرام اتفاق… آمل ألا نضطر إلى خوض الحرب مجدداً، لكن قد نضطر إلى توجيه ضربة كبيرة جديدة لهم. لست متأكداً بعد”.
بهذا الاستعراض اللفظي المعتاد، يطل علينا #دونالد_ترامب مجدداً، ليعيد تدوير لغته الأثيرة التي تمزج بين وعيد القوة الشرسة وإغراء الصفقة العابرة.
ولكن، كيف يمكن تأويل هذا الكلام اليوم؟ هل نحن أمام مخاتلة سياسية بارعة، أم استرضاء مبطن، أم تراجع قلق يحمل ملامح التوجس من الإقدام على ضربة حقيقية لطهران؟ صحيح أنه لا أحد يملك القدرة على فك شفرات ما يدور في ذهن #ترامب المتأرجح، لكن تجربة الأشهر الماضية قدّمت للجميع درساً بليغاً في خيبة الأمل.
لقد أثبتت الوقائع أن مواقف ترامب المترددة والمتراجعة لم تكن سوى خذلان مستمر للشعوب الإيرانية التي علّقت آمالاً على حزم دولي ينهي كابوسها. فلا الحرب العسكرية أسقطت النظام الثيوقراطي القمعي في #إيران، ولا السياسات المترددة منحت تلك الشعوب المتعبة الرافعة الحقيقية لانتفاضة تزلزل أركان النظام وتنهي عقوداً من الاستبداد.
اليوم، يتكرر المشهد ذاته بحذافيره: فيض من التهديد والوعيد الرقمي والإعلامي، يقابله على الأرض برود استراتيجي غريب، دون أن تتراجع إيران خطوة واحدة عن سياستها الإقليمية في الهيمنة، أو تكف عن تهديد استقرار المحيط الخليجي، أو تلجم ماكينة ميليشياتها المتحركة في #العراق والمنطقة.
يثور السؤال هنا مشحوناً بالمرارة والدهشة: لماذا يصر ترامب على خذلان المتطلعين للحرية في إيران؟ وكيف تحول وعده الأول المتبجح بإسقاط النظام القمعي إلى مجرد أداة لإدارة اللعبة الإعلامية، والبحث عن طاولة تفاوض يتوسل فيها الخصم، دون اكتراث حقيقي بمصير الملايين الرازحين تحت وطأة القمع؟ إن هذه “السياسة الاستعراضية” تكشف عن جوهر الأزمة؛ فالقيادة هنا لا تتحرك بوحي من مبادئ أخلاقية أو استراتيجيات تحريرية صلبة، بل تحكمها عقلية “رجل الصفقات” الذي يرى في معاناة الشعوب مجرد أوراق ضغط لتحسين شروط التفاوض.
وحين تغيب الرؤية الاستراتيجية ويحل محلها التردد، تصبح التصريحات النارية مجرد غلاف بلاستيكي يخفي وراءه تراجعاً يتجاوز حدود الحذر ليدخل في حيز العجز عن الفعل البنيوي. المفارقة المؤلمة هي أن النظام الحاكم في طهران يجيد قراءة هذا التردد الغربي، ويتغذى على الكلمات الجوفاء ليواصل قمع الداخل وتمدده في الخارج. سيبقى السؤال معلقاً في فضاء السياسة الدولية: إلى متى تظل مصائر الشعوب ومطالبها المشروعة في الانعتاق رهينة لـ “موجات الانفعال اللحظي” لرئيس يهدد بضربة كبيرة، ثم ينهي جملته بـ “لست متأكداً بعد”؟