تنمية التفكير: مادة دراسية لكسر الانغلاق سيّار الجميل

قبل نحو عقدين، لم تكن دعوتي إلى تدريس “تنمية التفكير” في المدارس ، مجرّد فكرة تربوية عابرة، بل كانت محاولة لكسر حلقة مفرغة تعيش مجتمعاتنا داخلها منذ زمن طويل: نعيد إنتاج الأساليب ذاتها، وننتظر نتائج مختلفة. قلت يوم ذاك إنّ إعادة التفكير في أوضاع مجتمعاتنا يجب أن تتكرّر بلا كلل، لأنها الطريق الوحيد للخروج من هذا الدوران العقيم.
غير أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الأفكار، بل في غياب الجرأة على تطبيقها. فتعليم الأجيال كيف تفكّر- لا ماذا تفكّر- ليس مشروعاً بريئاً كما يبدو؛ إنه تهديد مباشر لكلّ البُنى التي تعيش على التلقين ، وعلى إعادة تدوير المسلّمات، وعلى تحويل الرأي والاكذوبات إلى يقين غير قابل للنقاش.
إنّ العقل الذي يتعلّم التدقيق والبرهنة لن يقبل بسهولة أن تُقدَّم له الخيالات والأوهام بوصفها حقائق، ولن يُغريه الإطناب الذي يخفي فراغ المعنى. بل سيتجه إلى الاختزال، إلى الدقة، إلى تفكيك الظواهر وإعادتها إلى أسبابها الواقعية. وهنا تحديداً تكمن الأزمة: فمثل هذا العقل لا يمكن احتواؤه بسهولة، ولا توجيهه بالشعارات. والاغراءات التي يمهر في اجادتها الدجالون .
لقد عاشت مجتمعاتنا طويلاً تحت هيمنة مسردات سلطات وثقافة تُضخّم العاطفة وتُهمّش العقل، وتُبقي الإنسان أسير تقاليد بالية فقدت صلاحيتها لكنها ما تزال تفرض حضورها. وفي ظل هذه الثقافة، يصبح التفكير النقدي فعلاً شبه متمرّد، والتحرر من “اللاواقع” ضرباً من المجازفة.
إن إدخال مادة “تنمية التفكير” ليس إصلاحاً تعليمياً بسيطاً، بل هو انقلاب هادئ على أنماط ذهنية مترسّخة تقوم على السذاجة والتبسيط حين يجب التعقيد، وعلى التعقيد حين تكون البساطة أبلغ، وعلى الميل إلى تحويل كلّ ما هو مألوف إلى ما هو مقدّس. إنه محاولة لإعادة الإنسان إلى مركز الفعل، لا بوصفه تابعاً، بل فاعلاً. فيغدو المجتمع كلّه قوى فاعلة وخلايا مبدعين.
ولو تحقق ذلك، فلن يكون الأثر تعليمياً فقط. سنرى تحولاً في لغة الحوار، في بنية الخلاف، في القدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن الانفعال والتخلّي عن الاصطفاف الأعمى وتتهّذب الأذواق وتسمو روح الجماعات ويحترم الانسان ومعتقداته وتثمن حكمته وثقافته . فالمجتمع الذي يتعلم أفراده التفكير، هو مجتمع يصعب تضليله، ويصعب تقسيمه، ويصعب إبقاؤه في حالة انتظار دائم.
ومع ذلك، يبقى السؤال القديم قائماً بإلحاح أكبر: هل سيحدث ذلك يوماً؟
الجواب لا يُصاغ بالأمنيات والأحلام ، بل بالإرادة. فإما أن نجرؤ على تعليم العقل، ونقبل بما سيجرّه ذلك من تغيير عميق، أو نستمر في تدوير الأوهام، ونُسمّي ذلك استقراراً. أو نضحك على انفسنا تارة باسم النهضة وتارة باسم التجديد او التقدمية.. وبين كل الخيارات سيبقى التفكير تعيسا ومجتمعاتنا راكدة ، وعند بناء التفكير الجديد لدى الأجيال القادمة يتحدد شكل المستقبل.
سيّار الجميل ، 2022. جامعة ويسترن كندا