مبدعون في الذاكرة (57) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية فجر جودة النعيمي… صحفيٌّ وعالمُ اجتماعٍ يفتّش عن الإنسان وسط خراب العالم ياس خضير البياتي


ياس خضير البياتي
ثمة رجال لا تصنعهم الشهادات وحدها، ولا ترفعهم الألقاب الأكاديمية مهما علت، بل تصنعهم الرحلة الطويلة بين السؤال والوجع والمعرفة.
والدكتور فجر جودة علوان النعيمي واحد من أولئك الذين عاشوا حياتهم وهم يطاردون الحقيقة كما يطارد البدوي نجمةً بعيدة في صحراءٍ بلا نهاية.
وُلد فجر جودة عام 1954 في مدينة الصويرة، تلك البلدة العراقية الهادئة التي كانت تبدو على الخارطة صغيرةً، لكنها في داخله ظلت وطنًا أول لا يغادر الذاكرة. هناك، بين الأزقة الطينية البسيطة ووجوه الناس التي تعبت مبكرًا من قسوة الحياة، تشكلت ملامحه الأولى، وتكوّن إحساسه العميق بالناس والهامش والحرمان والأسئلة الكبرى.
أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في الصويرة، لكنه كان يشعر منذ وقت مبكر أن العالم أوسع من حدود البلدة الصغيرة، وأن الإنسان خُلق لكي يفتش، لا لكي يكرر ما يقوله الآخرون.
لذلك حمل حقيبته ومضى إلى بغداد، المدينة التي كانت آنذاك تغلي بالأفكار والتيارات الثقافية والسياسية، وهناك بدأ فصل آخر من حياته.
في جامعة بغداد درس علم الاجتماع، وتخرج فيها عام 1977 ـ 1978، ثم أكمل دراسة الماجستير عام 1981 برسالته الموسومة: “القيم الحضارية وأثرها في استخدام الزمن”، وهي دراسة مبكرة تكشف انشغاله العميق بالإنسان العراقي وتحولات وعيه وسلوكه في مجتمع يتغير بعنف.
لكن فجر لم يكن أكاديميًا تقليديًا يعيش داخل القاعات الجامعية فقط. لقد دخل عالم الصحافة من باب الأدب، وكأن الحكاية عنده سبقت النظرية، والإنسان سبق المصطلح العلمي.
بدأ بنشر قصصه القصيرة في مجلات عراقية مرموقة مثل الطليعة الأدبية وألف باء وجريدة الثورة، قبل أن يلتحق بمجلة صوت الطلبة عام 1976، ليصبح رئيسًا لقسمها الثقافي، ثم مديرًا لتحرير مجلة المسيرة للأطفال.
كانت الكتابة بالنسبة إليه أكثر من هواية؛ كانت محاولة لفهم هذا الكائن المعقد الذي اسمه الإنسان. وحتى حين كتب القصة، كان عالم الاجتماع يختبئ داخل السارد، يراقب العلاقات والهشاشة والخوف والتحولات العميقة التي تصيب المجتمعات.
وقد التفت إليه مبكرًا الناقد العراقي الكبير الراحل الدكتور علي جواد الطاهر، حين كتب عن إحدى قصصه، واتصل بمجلة الطليعة الأدبية مستفسرًا عن هوية هذا الكاتب الشاب.
يومها، كما يروي فجر، أخبره الشاعر الراحل رعد عبد القادر بما حدث، وكأن تلك اللحظة كانت إشارة أولى إلى أن هذا الشاب القادم من الصويرة يحمل مشروعًا مختلفًا.
وبين قناعته المعرفية بأن “فرخ البط عوام” بيولوجيًا، مع ما تضيفه التنشئة الاجتماعية وأصابع الآخرين، ظل يطارد الحقيقة بعناد من غادر بلدة مهمشة ليؤسس لنفسه مشروعًا مزدحمًا بالأسئلة والاكتشافات.
كان يؤمن أن اللصوص مهما امتلكوا من مهارات التحايل وارتداء أقنعة الورع، فإنهم لا يستطيعون ثقب الأحذية النظيفة، وأن الأقدام التي تمشي بصدق تحمل حصانتها معها مهما طال الطريق.
لذلك عاش حياته منحازًا إلى المثابرة والمعرفة والعمل الصامت، دون أن يفقد إيمانه بأن “العواصف لا تعرف القراءة”، وأن الوصول الحقيقي يحتاج إلى صبر يشبه صبر المسافرين القدماء.
ولهذا بدا كأنه يطبق، دون ضجيج، مقولة الأديب الفرنسي ستاندال:
“إن الصمت هو الطريقة الوحيدة التي تُشرف الإنسان أحيانًا.”
عام 1989 غادر العراق إلى بريطانيا للدراسة، وهناك بدأت رحلة المنفى الطويلة التي امتدت أكثر من سبعة وثلاثين عامًا. لكنه لم يكن منفيًا بالمعنى التقليدي، بل كان يحمل العراق معه أينما ذهب؛ في ذاكرته، وفي كتبه، وفي هواجسه الفكرية، وحتى في طريقته في قراءة العالم.
في جامعة هيل البريطانية حصل على شهادة الدكتوراه عام 1993، ثم أنجز أطروحته الشهيرة:
“ترييف المدن مع إشارة خاصة إلى بغداد“
وفي هذه الدراسة، لم يكن يقرأ تحولات بغداد عمرانياً فقط، بل كان يقرأ انكسار المدينة العراقية الحديثة، وتحولاتها الاجتماعية والثقافية تحت ضغط السياسة والهجرة والعنف والترييف الاجتماعي.
لقد أدرك مبكرًا أن الخراب لا يبدأ من الجدران، بل من انهيار المعنى، ومن تشوه العلاقة بين الإنسان ومدينته.
عمل أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة بغداد، ثم في الجامعات البريطانية، لكنه ظل يحتفظ بذلك الحس العراقي الحاد الذي يرى المجتمع لا كأرقام وإحصائيات، بل كحياة كاملة مليئة بالتناقضات.
وكان بإمكانه، بما يمتلكه من جزالة ذهنية واطلاع فلسفي عميق، أن يملأ المكتبات بعشرات المؤلفات، لكنه كان شديد الاقتصاد في الكتابة، يكتب حين يشعر أن لديه ما يستحق أن يُقال.
لم يكن يؤمن بالإغراق والاستعراض الثقافي، بل كان يحترم عقل القارئ، ويخشى عليه من “التخمة المعرفية” كما يسميها.
وحين أصدرت الناشرة الأردنية آمنة سعيد كتابه “مقدمة في علم الاجتماع المعاصر: نحو فهم أفضل لطبيعة المجتمع البشري”، بدا الكتاب كأنه خلاصة رحلة طويلة من التأمل في الإنسان والمجتمع.
في هذا الكتاب، الذي جاء في اثني عشر فصلًا، حاول جودة أن يبسط علم الاجتماع دون أن يفرغه من عمقه. تحدث عن التنشئة الاجتماعية، والثقافة، والهوية، والضبط الاجتماعي، والتغير الاجتماعي، والعولمة، والانحراف، والجماعات الإنسانية، بلغة تجمع بين الدقة العلمية والوضوح الإنساني.
لهذا يرى أن علم الاجتماع ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة حقيقية لفهم العالم وهو يتغير بجنون متسارع. ويحذر دائمًا من أن الحداثة والعولمة والتطور التكنولوجي، على الرغم من إنجازاتها الهائلة، تُخفي في أعماقها بذور سحق الإنسان وتحويله إلى كائن معزول، مرهق، وفاقد للمعنى.
ويؤكد أن المجتمع المعاصر بلغ “نقطة اللاعودة”، وأن عجلة التطور تمضي بلا رحمة، ساحقةً ملايين البشر في طريقها.
أما المشكلة، في نظره، فلا تكمن في التطور ذاته، بل في الإنسان الذي يقود هذا التطور بعقلية الهيمنة والجشع وشهوة السلطة.
في كتابه “ثقافة الموت” الصادر عام 2017، قدّم قراءة موجعة للمجتمع العراقي بعد الخراب، كاشفًا كيف تحولت الحروب والعنف والطائفية إلى جزء من الوعي الجمعي، وكيف أصبحت الحياة اليومية محاصرة بثقافة الفقد والخوف والنجاة الفردية.
أما كتابه “علم النفس الاجتماعي” فكان محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، بين الرغبة والقمع، وبين الإنسان والسلطة.
وفي كتابه الأخير:”من الحكايات إلى المعجزات: محاولة لفهم الأديان التوحيدية في ضوء علم الاجتماع الديني” ذهب إلى واحدة من أكثر المناطق الفكرية حساسية، محاولًا قراءة الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية وإنسانية عميقة، بعيدًا عن التشنج أو الأحكام الجاهزة. لقد كان دائمًا ابن السؤال، لا ابن اليقين المطلق.
وحين يتحدث عن العائلة الحديثة، أو الجماعات البشرية، أو انهيار العلاقات الإنسانية في عصر التكنولوجيا، يبدو وكأنه لا يكتب من برج أكاديمي، بل من قلب تجربة إنسانية عاشها وتأملها طويلًا.
كان يرى أن الأسرة التقليدية تتفكك، وأن الجماعات الصغيرة التي كانت تمنح الإنسان دفئه الإنساني تذوب تدريجيًا داخل عالم افتراضي بارد.
ويقول بحزن إن أفراد الأسرة الواحدة صاروا يعيشون تحت سقف واحد دون أن يروا بعضهم حقًا، لأن كل فرد بات مسجونًا داخل شاشة هاتفه.
هذه النظرة التأملية العميقة جعلت كتاباته قريبة من الفلسفة أحيانًا، ومن الأدب أحيانًا أخرى، حتى بدا كأنه يسير على الحافة بين عالم الاجتماع والروائي. إنه لا يشرح المجتمع فقط، بل يحاول إنقاذ الإنسان من داخله.
عرفتُ الصديق جودة منذ ثمانينيات القرن الماضي، شخصيةً جدلية تجمع بين الأدب والصحافة والعلم، وكأنّه يمشي دائمًا على الحد الفاصل بين الفكر والحياة.
كان جميل المعشر، بسيط العلاقة، قريبًا من الناس رغم عمقه الأكاديمي واتساع ثقافته، لا يتعالى على أحد، ولا يُثقِل المجالس باستعراض المعرفة.
امتلك نظافة نادرة في مواقفه الوطنية، وظل صريحًا إلى حدّ يشبه قسوة الحقيقة أحيانًا، لا يجامل على حساب قناعاته، ولا يلوّن مواقفه تبعًا للرياح المتغيرة.
كان يؤمن أن المثقف الحقيقي لا يُقاس بعدد ما يكتب، بل بقدرته على البقاء نزيهًا وسط الخراب.
أما آخر لقاء جمعني به، فكان قبل سنوات في مطعم عراقي بمدينة الشارقة، حين جاء من بريطانيا مثقلًا بسنوات الغربة الطويلة. جلسنا نستعيد العراق كما يستعيد المنفيون وطناً ضاع منهم في الزحام؛ تحدثنا عن بغداد القديمة، وعن الأصدقاء الذين غيّبتهم المنافي والمقابر، وعن الصحافة والأدب والوجوه التي أكلها التعب.
في تلك الجلسة، بدا وجع الغربة واضحًا في صوته، حتى وهو يبتسم.
كان يتحدث عن العراق بحنين العارف أن الأمكنة لا تموت داخلنا مهما ابتعدنا عنها، وأن المنفى، مهما طال، يبقى مجرد غرفة باردة لا تشبه دفء البدايات الأولى.
واليوم، بعد عقود من الغربة والبحث والكتابة، يبدو فجر جودة النعيمي كأنه واحد من أولئك المفكرين الذين عاشوا عمرهم كله وهم يفتشون عن معنى العدالة والمعرفة والإنسان وسط عالم يزداد قسوة ووحشة.
لقد خرج من الصويرة حاملًا حقيبة صغيرة وأسئلة كبيرة، ومضى في رحلة طويلة بين بغداد وبريطانيا، بين الصحافة وعلم الاجتماع، بين الأدب والفلسفة، لكنه ظل وفيًا لذلك الطفل الذي كان ينظر إلى العالم بدهشة ويحاول أن يفهمه.
إنه باحث في ” أحراش المرارة ” كما وُصف ذات مرة، لكنه أيضًا رجلٌ ظل يؤمن أن المعرفة، مهما كانت مؤلمة، تبقى الطريق الوحيد لفهم هذا العالم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإنسان.