مبدعون في الذاكرة ( 25 ) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية سلام مسافر: صحفي المنفى وصوت الحقيقة في “قصارى القول” ياس خضير البياتي

في زمن كانت فيه الكلمة تحت المراقبة، والصوت مُستهدَفًا، وضمير الصحفي يتعرض للاختبار كل يوم، ظهر سلام مسافر كأحد الشخصيات التي تمسكت بالمعنى ولم تتنازل عن الحقيقة، رافضةً أن يتحول المنفى إلى فراق مع الوطن؛ بل جعلت منه أفقًا أوسع في الرؤية، وقدرةً على تسجيل الصورة بكل تفاصيلها.
ولد في بغداد عام 1950، في بيئة غنية بالصحف والمقاهي والتفاعلات الفكرية، حيث أدرك منذ صغره أن الكلمة تعني الفعل، وهي مسؤولية أكثر من كونها مجرد مهنة. حصل على شهادته من كلية الآداب في جامعة بغداد، ودخل عالم الصحافة الوطنية مبكرًا، حيث عمل مدة ثلاث سنوات في صحيفة الجمهورية، شاهدًا على تغييرات السياسة، وهزائم المجتمع، وتطورات الخطاب الأيديولوجي.
كان صحفيًا يدرك الأمور بوعي، ويقرأ بين السطور، ويعلم أن الخبر يتجاوز ما يُقال إلى ما يُخبَّأ. غير أن العراق في أواخر السبعينيات لم يكن يتيح حرية التحدث بقوة، مما أجبره على مغادرة البلاد في عام 1978، ليبدأ فصلًا طويلًا من المنفى. لم يكن هروبًا بل استمرارًا للنضال: نضال الوعي.
تنقل بين دول أوروبا قبل أن يستقر في روسيا، حيث أعاد تشكيل ذاته في المجالين الصحفي والأكاديمي، متخرجًا من جامعة موسكو الحكومية – كلية الصحافة، وحاصلًا على درجة الدكتوراه، جامعةً بين التجربة الميدانية والتدريب الأكاديمي العميق.
لم يتوقف عن الكتابة بل واصل التواصل مع العديد من الصحف العربية، كأنه يصر على عدم الانقطاع عن القارئ العربي.
عندما انطلقت قناة روسيا اليوم الناطقة بالعربية، وجد سلام مسافر منصة تتسع لصوته وخبراته، فتميز ظهوره بالاعتدال، بعيدًا عن البحث عن الإثارة أو الانزلاق نحو الخطاب الشعبوي.
في برنامجه المعروف “قصارى القول”، لا يرفع صوته، ولا يطلق أحكامًا سابقة، بل يعرض الواقع السياسي بوضوح وشفافية، يستعرض الأحداث تحت المجهر، مُعطيًا الفرصة للمعلومات للتحدث بنفسها.
هو إعلامي يدرك أن الاختصار ليس قلة، بل كثافة، وأن “قصارى القول” قد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من اللجوء إلى العبارات المطولة.
اللقاء الأول لي معه كان في عام 1973 في مجلة الإذاعة والتلفزيون، حيث تواجد في قسم التحقيقات الصحفية، شابًا وسيمًا، ذكيًا ومشاكسًا، لا يساوم في مواضيعه أو يتراجع أمام زملائه. كان يدلف إلى النص كما يدخل النقاش: واثقًا وحاد الفكرة، واسع الاطلاع.
كان يكتب بيد صحفية رشيقة وقلب يساري نابض، تعكس كلماته نقدًا ثقافيًا وموقفًا إنسانيًا يلتزم بقضايا الناس، وليس لسلطة أو زيف.
لم تكن مشاكسته تدل على تهور بل على حيوية عقل نشط وقلق مثقف يرفض السطحية ولا يكتفي بالمعتاد.
تواصلت لقاءاتنا لاحقًا في إسطنبول والإمارات، بعدما فرقنا المنفى وجمعتنا الكلمة. كنت أدعوه للمشاركة في مؤتمرات انعقدت في جامعة عجمان، وكان حضوره دائمًا يضيف عمقًا علميًا حقيقيًا، يتناول النقاشات بعمق، ويناقش باحترام، ويطرح آراءً جريئة ولكن متوازنة.
دائمًا ما كان يلفت انتباهي صدق صوته الوطني، المعارض للاحتلال، ومواقفه السياسية والأيديولوجية الحازمة دون تعصّب، حيث ظل مخلصًا لفكرة العدالة ومنفتحًا للحوار، مؤمنًا بأن الاختلاف لا ينفي الوطنية، بل يعززها.
سلام مسافر ليس مجرد مقدم برامج، بل هو شاهد عيان على عصر بأسره. شهد أهوال الغزوات والاحتلالات، ورأى كيف تتحول البلدان إلى ميادين لتجارب قاسية، وتتفكك المجتمعات تحت شعار الديمقراطية.
ولهذا السبب، قام بتأليف كتابه “الهمجية: شهادات غزو واحتلال العراق”، الذي يعد توثيقًا وشهادة ضمير في آن واحد؛ حيث يشارك تجربته كصحفي ليس بنبرة باردة، بل بشغف عراقي عاش الفاجعة، وكان له إصرار على عدم اختزال معاناة بلده في أرقام سطحية.
لذا جاء حفل إطلاق الكتاب، الذي حضره نخبة من المثقفين والصحفيين من الأردن والعالم العربي، ليكون أكثر من مجرد مناسبة ثقافية؛ بل تجسيدًا للدور الحاسم للصحفي الشاهد، بدلاً من كونه مجرد مروج.
يكتب وكأنه يسير بعكس التيار؛ لا يرفع صوته كي يُسمَع، ولا يطارد العناوين الساخنة كي يُلاحظ.
نصّه يمشي على مهل، لكنّه يصل أبعد. في كتابته انحياز واضح للإنسان قبل الحدث، وللسياق قبل العنوان، وللذاكرة قبل اللحظة العابرة.
لا يتعامل مع الصحافة كحرفة يومية، بل كمسؤولية أخلاقية ومعرفية، لذلك تبدو مقالاته أقل ضجيجًا وأكثر بقاءً.
هو من أولئك الصحفيين الذين يتركون أثرهم لا بكثرة النشر، بل بعمق النظرة، وبقدرتهم على تحويل الوقائع اليومية إلى أسئلة مفتوحة عن المعنى والعدالة والزمن.
على الصعيد الشخصي، عاش حياة تتنقل بين الثقافات، حيث تزوج من امرأة روسية، ورزق منها بولدين، ليكون منزله نموذجًا مصغرًا لعالم خبر الكثير عنه، مدركًا أن التنوع لا يقلل من الهوية، بل يعززها.
لقد ظل متمسكًا بجذوره العراقية من خلال لغته، ويقظته، وتساؤلاته، ونقده لما يحدث في المنطقة.
في علاقاته الإنسانية، يظهر كما في كتابته تمامًا: هادئًا، مُصغيًا، قليل الادّعاء وكثير الاحترام. لا يدخل العلاقات من باب المصلحة ولا يغادرها عند أول اختلاف، بل يبنيها على الثقة والصبر والإنصات الحقيقي.
يعرف كيف يترك للآخرين مساحتهم، وكيف يكون حاضرًا دون أن يفرض حضوره. لذلك لا تُقاس علاقاته بعدد المعارف، بل بعمق الروابط واستمراريتها.
هو من أولئك الذين يمنحونك شعور الطمأنينة في الحديث، ويجعلون الحوار مساحة إنسانية لا ساحة جدل، وكأن علاقته بالناس امتداد طبيعي لإيمانه بأن الكلمة، مثل العلاقة، يجب أن تُقال بصدق… أو لا تُقال.
سلام مسافر من الأشخاص الذين لم تتأثر شخصياتهم بالأضواء، ولم تفتنهم الشاشات. يعد صحفيًا قديمًا بمعايير المهنة، لكنه معاصر في استخدام التكنولوجيا، عميق في أفكاره، هادئ في وجوده، وحاد في استنتاجاته.
وسط ضجيج الإعلام الحالي، يبقى صوته مختلفًا، لأنه لا يسعى لأن يكون هو الأبرز، بل يهدف إلى أن يكون الأكثر صدقًا.
إنه صحفي اختار التنقل بين الأمكنة، بينما يبقى متمسكًا بالمعاني.
وما زال حتى اليوم، يعبر عن “قصارى القول”، في وقت يعجز فيه الكثيرون عن النطق بأي شيء.